نصائح للآباء
المنع أم الاتفاق
وجها النقاش حول ساعات الشاشة، والحلّ الوسط الذي نراه عمليًّا: لا «نصف ساعة في اليوم»، بل تمييزٌ — هل الطفل يستهلك أم يصنع؟
منذ العصر الحجري والإنسان يُخرج إلى الخارج ما ينقصه أمام سائر الكائنات: سكّينٌ بدل المخالب، وجلدٌ بدل الفراء، ونارٌ بدل الدم الحارّ، وعجلةٌ بدل طول الاحتمال. وكانت الكتابة الخطوة نفسها مطبَّقةً على الذاكرة، وعندها وقعت أوّل حالة هلعٍ مدوَّنة. ففي محاورة «فيدروس» لأفلاطون يردّ الملك تاموس على مخترع الكتابة: سيكفّ الناس عن تمرين ذاكرتهم، وسيبدون عالمين وهم لا يعلمون. والاعتراض ليس سخيفًا، وهو صحيحٌ في جانبٍ منه: نحن فعلًا نحفظ عن ظهر قلب أقلّ. غير أنّ المكسب لا يُقاس بالخسارة. ثم دارت الدائرة نفسها مع كل جديد: الروايات تُفسد القرّاء الصغار، والهاتف يقضي على المحادثة، والتلفاز على الخيال، وألعاب الفيديو على ذلك كلّه دفعةً واحدة. وقد وصفت إيمي أوربن هذا بأنّه دورة متكرّرة: قلق، ثم موجة من الأبحاث، ثم خفوت، ثم تقنية جديدة وقلق جديد.
ولا يلزم من ذلك أنْ لا شيء يستدعي القلق. فالنقاش اليوم جادّ، ومن الأفضل للوالد أن يعرف وجهيه. يرى جوناثان هايدت في كتابه «الجيل القلِق» أنّ الطفولة أُعيد بناؤها حول الهاتف الذكي، وأنّ القلق والاكتئاب بين المراهقين ارتفعا ارتفاعًا حادًّا منذ مطلع العقد الثاني من هذا القرن، وأنّ الأسرة الواحدة لا تستطيع مواجهة ذلك دون قيود خارجية. أمّا منتقدوه — كانديس أودجرز، وأندرو برزيبيلسكي، وأوربن نفسها — فلا ينكرون أنّ حال المراهقين ساءت، وإنّما ينازعون في التفسير: فالعلاقة بين ساعات الشاشة والعافية النفسية تظهر في العيّنات الكبيرة ضعيفةً جدًّا، بكسورٍ من واحدٍ بالمئة من التباين، واتجاه السببية غير ثابت — فقد يكون المراهقون الذين يعيشون ظروفًا أصعب هم الأكثر استعمالًا للهاتف، لا العكس. والمسألة لم تُحسَم. ومعنى ذلك أنّ الطرفين المتطرّفين — «امنعوه حتى السادسة عشرة» و«اطمئنّوا، لا بأس» — يستندان اليوم إلى قناعةٍ لا إلى بيّنة.
غير أنّ أمورًا أخرى أوثق. أوّلًا، المهمّ ليس «كم» بل «على حساب ماذا»: فحيث يظهر الضرر أوضح ما يكون، يمرّ عبر النوم المُقتَطَع، وساعةٌ قبل النوم أغلى كثيرًا من ساعةٍ بعد المدرسة. وثانيًا، المنع وسيلةٌ قصيرة الأجل. تُفرّق سونيا ليفينغستون، التي درست التربية في العصر الرقمي سنوات، بين التقييد والمشاركة: التقييد ينفع مع الصغار ويتعطّل مع المراهق، فيبقى لك طفلٌ تعلّم أن يُخفي الشاشة لا أن يختار. وتقول أبحاث الدافعية الشيء نفسه من جهةٍ أخرى: دعم الاستقلالية يُنتج سلوكًا يدوم، والسيطرة تُنتج سلوكًا أمام الشهود. ومن هنا الحلّ الوسط الذي نراه عمليًّا: القواعد لازمة، لكن مشروحة وموضوعة بالاتفاق. لا «نصف ساعة في اليوم»، بل تمييزٌ: هل الطفل يستهلك أم يصنع؟ فابن الخامسة يرى الحاسوب على كل حال، ولم يعد السؤال هل نسمح، بل ماذا يفعل هناك وهل يعرف لماذا. والحاسوب الذي يُصنع عليه شيءٌ يكفّ عن أن يكون لعبةً عجيبة ويصير أداة، والأداة لا يُنتزع منها أحد. وفي دروسنا لأبناء الخامسة تذهب إلى الشاشة نحو ثماني دقائق أسبوعيًّا، وسائر العمل على الورق؛ والشاشة تُستعمل حيث لا ينفع الورق تحديدًا.
وهذا كلّه يصحّ في الذكاء الاصطناعي، مع تحفّظٍ واحد. فما أخرجناه إلى الخارج من قبل كان الذاكرة والحساب ومعرفة الاتجاهات، وهي أمورٌ مهمّة لكنّها مساعِدة. أمّا الذي يُخرَج الآن فهو التفكير نفسه، وهذه مجازفةٌ من نوعٍ آخر: فاعتراض تاموس، وقد أخطأ في شأن الكتابة، يستحقّ هنا أن يُسمع على الأقلّ. ومعنى ذلك أنّ الحديث مع الطفل ينبغي أن يدور حول ما تُحسنه هذه الأداة وما لا تُحسنه، لا حول الدقائق. إنّها صبورةٌ بلا حدّ، تشرح المرّة العاشرة ولا تتأفّف — وهذه قوّتها، ومن الخطأ ألّا يُستفاد منها. وهي في الوقت نفسه تُعطي الجواب حيث يكون الأنفع للطفل أن يجتهد، وتقول الباطل بثقة — وهذه مواطن ضعفها، وسيلزم تعلّم كشفها كما تعلّم الناس يومًا ألّا يصدّقوا كلّ مطبوع. والمنع لا يُجدي هنا: فالذكاء الاصطناعي باقٍ، والطفل الممنوع يتعلّم استعماله خُفيةً وبسوء. أمّا الفهم — أين يُعين، وأين يُعيق، وأين يكذب — فيدوم أطول، ويثبت حين لا تكون في الغرفة.